مجزرة الدوايمة

لمحة تاريخية

الدوايمة”(Al-Dawayima) قرية كنعانية عربية تبعد عن مدينة “الخليل” نحو سبعة وعشرون كم وتبلغ مساحة أراضيها “60585″ دونما ، “، وترتفع الدوايمة عن سطح البحر350 م ،أسماها الكنعانيون “بُصقة” أي “المرتفع، ويحيط بها أراضي قرى إذنا ودورا والقبيبة وبيت جبرين وعرب الجبارات ، فيها قبر الصحابي الجليل “بشر بن عقربة” ذكرت بهذا الاسم في العهد القديم ونزلت بها بعض الحملات الصليبية في العصور الوسطى وأسماها الأوروبيون الغزاة “بيتا واحيم”.. وفي القرن الرابع عشر الميلادي سكنها رجل صالح يدعى “علي بن عبد الدايم بن أحمد الغماري” ويرجع نسبه إلى العالم الجليل “عبد السلام بن مشيش” والذي يرجع نسبه بإجماع العلماء إلى الإمام “علي بن أبي طالب”- رضي الله عنه- فسميت الدوايمة باسمه تخليداً لذكراه ، قدر عدد سكانها عام 1922 (2441) نسمة وازداد عام 1945 (3710) نسمه. وبلغ عام 1948 (4304) نسمه ، وفي ذات العام قامت المنظمات الصهيونية المسلحة بهدم القرية وتشريد أهلها وبلغ مجموع اللاجئين منها قرابة (3358) نسمة وعلى أنقاضها أنشئت عام 1955 مستعمرة “أماتسيا”.

مجزرة الدوايمة

في 29/ 10/ 1948،وبينما  كان أهالي قرية “الدوايمة” في أسواقهم أو في منازلهم على عادتهم في مثل هذا اليوم (الجمعة ) من كل أسبوع  ولم يكن في القرية أيا من مقاتلي المقاومة العربية أو أية قوة من قوات الجيوش العربية المحاربة في فلسطين، قام جنود عصابات “شتيرن” و”أرجون” بحصار القرية واقتحمها آخرين ، في ظل معرفة مسبقة من حكومة إسرائيل الجديدة في “تل أبيب” وقياداتها العسكرية في هذه المناطق ، قام الجنود بارتكاب مجموعة من الممارسات التي تصنف قانونا “جرائم حرب” أو “جرائم ضد الإنسانية” طبقا للعهد الدولي لحقوق الإنسان واتفاقيات “جنيف” الأربع لعام 1949م وبخاصة الاتفاقية الرابعة المتعلقة بوضع المدنيين وحمايتهم أثناء الحرب ومن بينها:

اغتصاب النساء والفتيات أمام ذويهم

التعدي على الحوامل وقتل الأطفال الرضع.

قتل الشيوخ والأطفال والإناث.

قتل الكثير من ذكور القرية في سن القتال دونما ضرورة عسكرية ما ، فيما لم يكن هناك في القرية قوة تدافع عنها أو مكامن نشاط مقاومة أو مخازن سلاح يخشى منها.

اقتحام أراضي مدينة أو قرية أو غير ذلك من مناطق التجمع البشري المدني لا تقع في نطاق عمليات عسكرية حيوية وطبقا لاتفاقيات “لاهاي” للحرب البرية والجوية واتفاقيات “جنيف” فإنه حتى لو وقعت مناطق مدنية على طريق المعارك العسكرية بين قوتين عسكريتين مسلحتين فإن هناك إجراءات محددة للتعامل مع هذه الأراضي بحيث يتم ضمان أقصى قدر ممكن من الحماية للمدنيين ومعاملة المصابين منهم طبقا لما تتطلبه حالتهم.

ممارسة أسوأ أعمال الانتقام بحق السكان العرب من أهالي القرية وهم من الفلاحين المسالمين العزل مما يتناقض مع بنود اتفاقية “جنيف” الرابعة التي تحرم ارتكاب الأعمال الانتقامية تجاه المدنيين والعسكريين من غير حاملي السلاح أو عندما تكون هناك فرصة لأخذ أسرى بدلا من ممارسة أعمال القتل على نطاق واسع.

وقد أعقب المجزرة عملية نزوح كثيفة للسكان من المنطقة خوفاً على حياتهم. وبعد أن احتلت البلدة جمعت العصابات ما بين 80-100 من النساء والأطفال وقام الصهاينة بتحطيم رؤوس الأطفال بالعصي حتى أنه لم يبق بيت في البلدة إلا وفيه قتيل، كما تم احتجاز النساء وكبار السن من الرجال داخل البيوت وحرمانهم من الماء والغذاء، وعندما حضر خبير المتفجرات رفض هدم بيتين على رؤوس كبار السن في القرية، ولكن أحد الجنود تبرع بذلك وهدموا كثيرا من البيوت على رأس الأحياء.

وبعد تسرب أنباء عن المذبحة، وهجوم الصهاينة على بعض الكهوف التي التجأ إليها السكان حيث وقاموا بتوقيف ما بين 500 عربي في صف واحد وقتلوهم بنيران الرشاشات.

وبعد أن انتشرت أخبار المذبحة تم إجراء تحقيق صوري مع أفراد الكتيبة التي هاجمت البلدة، وجاء في التقرير بأن سكان القرية قاموا بمهاجمة مستوطنات يهودية قريبة. ومساعدتهم في الهجوم على غوش عصيون.

لقد أكد الجندي الإسرائيلي أن الكتيبة 89 تكونت من إرهابيين سابقين من عصابتي الأرغون وشتيرن، وشدد على أن المذبحة ارتكبها قادة ومثقفون… وتحولوا إلى مجرمين حقيرين… وقد وضع القادة الإسرائيليين عقبات أما زيارة البلدة من قبل مراقبي الأمم المتحدة وبعد عدد من الطلبات تم السماح للضابط البلجيكي[ هوفي] وفريقه بزيارة القرية ، و شاهد الدخان المتصاعد من المنازل وذلك لإخفاء الجثث المتعفنة في القرية وأكد على ذلك قائلا:” أشتم رائحة غريبة وكأن بداخلها عظما يحترق” وعندما سأل الضابط البلجيكي عن سبب تفجير المنازل، أجاب الضابط الإسرائيلي :أن بها حشرات سامة، ولذلك قام بنسفها.

وقد علق وزير الزراعة الإسرائيلي في حينه (هارون سيزلينغ) امام مجلس الوزراء الإسرائيلي ” أشعر أن هناك أشياء تحدث وتؤذي روحي وروح عائلتي وأرواحنا جميعاً… اليهود أيضاً تصرفوا مثل النازيين وأحس بأن كياني كله قد اهتز)

ومن خلال ما ورد من تفاصيل موثقة عن مجزرة “الدوايمة” تبين أن هناك أعمال ملاحقة وانتقام متعمدة جرت تجاه أهالي القرية العرب حتى داخل مسجد القرية والكهوف المحيطة بها مما يبرز أقصى درجات الإجرام والعنصرية.

شهادات موثوقة عن المجزرة

بعد اقتحام العصابات الصهيونية للقرية وارتكاب ما سبق ذكره من أعمال نورد هنا مجموعة من الشهادات الموثقة على لسان عدد من العسكريين والساسة اليهود في إسرائيل ظهرت في السنوات التالية للمجزرة في قرية “الدوايمة” توضح بعض تفاصيل ما جرى في القرية :

  • تبجح أحد الجنود أمام زملائه قائلا: “لقد اغتصبت امرأة عربية قبل أن أطلق عليها النار” طبقا لما أورده الباحث “احمد العداربة” في كتابه “قرية الدوايمة” من منشورات جامعة “بير زيت”..
  • وأفاد اخر أنه أجبر إحدى النساء من حاضنات الأطفال الصغار على نقل الجثث ثم قتلها هي وطفلها.
  • آخرون أخذوا ثلاث فتيات في سيارتهم العسكرية ووجدن “مغتصبات ومقتولات” في إحدى أطراف القرية.
  • وطبقا لشهود عيان من أهالي القرية ظلوا أحياء بعد الجريمة فإن بعض جنود عصابة “أرجون” الصهيونية أطلقوا النار على طفل يرضع من صدر أمه فـاخترقت الرصاصة رأسه وصدر أمه فقتلتهما والطفل يلثم الثدي وبقايا الحليب تسيل على جانبي فمه.

وبعد هذه الجرائم فزع المتبقين من أهالي القرية العزل ولجئوا إلى جامع القرية الذي اعتبر الملجأ الأخير والمعروف ب”جامع الزاوية” وكان المكان الرئيسي لتجمع أهل القرية كما قال “إسماعيل أبو ريان” أحد رجالات “الدوايمة” في كتابه الموسوم “قرية الدوايمة” وكان يستخدم كمركز تجمع لأفراد الحمولة ،واستقبال الضيوف ، وأبناء السبيل، وللمناسبات مثل العزاء والزواج ،ومركز استعلامات، وكذلك كان يقصده الشعراء والرواة.

وكان اللجوء في المسجد هذا لتلافي خطر العصابات الصهيونية ولكن العصابات الصهيونية لاحقوهم وقتلوهم داخله وقدر عدد الذين استشهدوا فيه “75″ شخصا معظمهم من كبار السن والعجزة ممن لم يستطيعوا الفرار على الأقدام، وأحرق المسجد بمن فيه بعد إغلاقه بإحكام خوفا من خروج جرحى محتملين منه ليشهدوا على الجريمة، وقد تم دفن جزء من الشهداء في حفرة قرب الجامع حيث كان الأهالي يحفرون لتوسعة المسجد والجزء الباقي منهم دفن في قبر جماعي ولم ينج منهم إلا امرأة واحدة بين القتلى.. وبعد ذلك قامت العصابات الصهيونية بتقييد الرجال الذين تم الإمساك بهم بالحبال والسلاسل وقادهم الجنود كما تقاد الأغنام ووضعوهم في أحد المنازل ومنعوا عنهم الماء ثم قاموا بتفجير المنزل بالديناميت على رؤوس من فيه وقد تم كشف تفاصيل المجزرة عام 1985 من المرحوم الشيخ حسن محمود هديب مختار القرية السابق للصحف الإسرائيلية.

شهادات دولية عن المجزرة

في 8 تشرين ثاني وصل فريق من مراقبي “الأمم المتحدة” إلى القرية برئاسة ضابط الصف البلجيكي “فان فاسن هوفي” بصحبة مجموعة من العسكريين الإسرائيليين وعندما طلب أحد المراقبين الدخول إلى المسجد المغلق تم منعه بحجة أن للمسجد قدسية عند المسلمين ولا يجوز دخوله لغير المسلم.. ولكن المراقب شاهد دخانا يتصاعد من المسجد فاقترب من النافذة وشم رائحة جثث بشرية تحترق وعندما سئل الضابط اليهودي المرافق عن الدخان والرائحة الكريهة تم منعه من إكمال التحقيق وعندما سأله عن منزل كان يعد للنسف عن سبب ذلك.. قال له: “المنزل يضمّ حشرات طفيلية سامة ولذا سنقوم بنسفه”

ولم يسمح لفريق الأمم المتحدة بزيارة جنوب القرية بحجة وجود الألغام… مدعين أن سكان القرية قد هربوا قبل أن يصل الجيش الإسرائيلي إليها…

شهادات اسرائيلية عن المجزرة

في شهادات الساسة والمؤرخين الصهاينة عن المجزرة :

يقول المؤرخ الإسرائيلي “بني موريس” في كتابه “تصحيح غلطة” والذي نشر على حلقات في جريدة “الدستور” الأردنية بدءا من 15 مارس 2001م:

(“لقد تمت المجزرة بأوامر من الحكومة الإسرائيلية وأن فقرات كاملة حذفت من محضر اجتماع لجنة حزب الـ”مابام” عن فظائع ارتكبت في قرية “الدوايمة” وأن الجنود قاموا بذبح المئات من سكان القرية لإجبار البقية على المغادرة”).

وفي شهادته حول المجزرة قال “إسرائيل جاليلي” قائد فرع العمليات في الجيش الإسرائيلي في حرب عام 1948م وأحد قادة حزب الـ”مابام” الإسرائيلي إنه شاهد مناظر مروعة من قتل الأسرى واغتصاب النساء وغير ذلك من أفعال مشينة

وعن الجرائم الصهيونية في فلسطين بوجه عام نقتبس شهادات بعض المؤرخين والحاخامات ومن بينها ما قاله “أهارون كوهين” وهو أحد المؤرخين الجدد في إسرائيل:

تم ذبح سكان قرى بأكملها وقطعت أصابع وآذان النساء لانتزاع القطع الذهبية منها

أما الحاخام الصهيوني “يوئيل بن نون” فيقول بهذا الصدد:

إن الظلم التاريخي الذي ألحقناه بالفلسطينيين أكثر مما ألحقه العالم بنا.

ضحايا المجزرة

يتباين عدد شهداء مذبحة الدوايمة وفقاً تقديرات العرب و”الأمم المتحدة” والاحتلال الإسرائيلي ما بين 700 إلى 1000 مواطن عربي عدا الذين كانوا يحاولون التسلل للقرية لأخذ أمتعتهم وطعامهم بعد أيام من حصول المجزرة .